السيد محمد الصدر

54

تاريخ الغيبة الصغرى

والاقدام على التضحية لدى الأمة ، هو مرورها بعدد مهم من التجارب القاسية والظروف الصعبة وإحساسها بالظلم والتعسف ردحا كبيرا من الزمن . . . حتى تستطيع أن تفهم نفسها وأن تشخص واقعها وتشعر بمسئوليتها . فان هذه الصعوبات كالمبرد الذي يجلو الذهب ويجعل السكين نافذا . فان الأمة - في مثل ذلك - لا تخلد إلى الهدوء والسكون ، بل تضطر إلى التفكير بأمرها وبلورة فكرتها وتشخيص آلامها وآمالها وتشعر بنحو وجداني عميق بسهولة التضحية في سبيل الأهداف الكبيرة ووجوبها إذا لزم الأمر ونادى منادي الجهاد . وتلك الأمة الواعية هي التي تستطيع أن تضرب قدما بين يدي الإمام المهدي ( ع ) وأن تؤسس العدل المنتظر في اليوم الموعود . دون الأمة المنحرفة المتداعية ، أو الأمة المنعزلة المتحنثة . وسيأتي لذلك ايضاحات عديدة وسنسمع له شواهد كثيرة من الكتاب والسنة . فإذا كان مرور الأمة بظروف الظلم والتعسف ضروريا لتحقيق شرط اليوم الموعود ، ومثل هذا الشرط يجب رعايته والمحافظة عليه . . . إذن فالمهدي ( ع ) بالرغم من أنه يحس بالأسى لمرور شعبه وقواعده بمثل هذه الظروف القاسية ، إلا أنه لا يتصدى لازالتها ولا يعمل على تغييرها ، تقديما لمصلحة اليوم الموعود على أهل هذا اليوم الموجود . وأما ما لا يكون من الظلم دخيلا في تحقيق ذلك الشرط ، وكان الشرط الأول لعمل المهدي ( ع ) متوفرا فيه أيضا ، فان الإمام المهدي ( ع ) يتدخل لإزالته ويعمل على رفعه ، بموجب التكليف الشرعي الإسلامي المتوجه إليه . ونحن - الذين لا نعيش نظر المهدي ( ع ) وأهدافه - نكاد نكون في جهل مطبق ، من حيث تشخيص أن هذا الظلم هل له دخل في تحقيق شرط الظهور أو لا . ما عدا بعض موارد التخمين . فإنه يحتاج إلى نظر بعيد يمتد خلال السنين إلى يوم الظهور . وهذا النظر منعدم لدى أي فرد في العالم ما عدا المهدي ( ع ) نفسه . فيعود تشخيص ذلك إليه ، بما وهبه اللّه تعالى من ملكات وقابليات على تشخيص الداء والقيادة نحو الدواء .